تعتبر الانتخابات التشريعية التى أجريت في تونس يوم 26 أكتوبر الماضي، بمثابة ثاني انتخابات تجرى في شروط وفي ظروف اقرت معظم الهيئات الدولية المراقبة بحياديتها ونزاهتها، بعد تجربة انتخبات 2011 التى أدت الى تشكيل المجلس الوطني الـتأسيسي الذي كان من وراء الاعلان عن الدستور.  وقد ترشحت لهذا الاستحقاق  1327 قائمة تمثل 120 حزبا سياسيا ويتوزع أعضائها  على 33 دائرة انتخابية (27 داخل تونس و6 خارجها ) . وبخلاف انتخابات 2012 التى أفرزت أحزابا صادرة عن سياق ثورة 2011  وما اتسمت به من قطيعة أو ارادة قطيعة في المرحلة الاولى مع النظام السابق، فقلد جاءت هذه الاخيرة في سياق اتسم بروحية المصالحة الوطنية وبعدم اقرار قانون العزل السياسي ، مما أدى الى  اعادة تشكيل المشهد السياسي والذي أصبح يقوم على كتلتيتن اساسيتين : الاولى محافظة وتمثلها حزب حركة النهضة والثانية لحقت خلال الاعوام الاخيرة ( 2012) لتحقيق التوازن مع الأول ، ويتمثل في حزب حركة نداء تونس. وخلال هذا السباق فلقد تحصل حزب النداء على 85 مقعدا مقابل 69 للنهضة (مقابل 89 مقعدا في انتخابات 2011)  في انتظار ان تقول المحكمة الإدارية كلمتها فيما يتعلق بالطعونات المقدمة من هذا الطرف أو ذاك.

كيف يمكننا قراءة النتائج ؟

وكما هو الشأن في كل دورة انتخابية في العالم  فلقد تواجدت  ثلاث دوائر أساسية  محددة للعملية وهي : الجسد الانتخابي المتكون من الفئات التي يحق لها المشاركة في التصويت من حيث المبدأ والحق القانوني وعددهم، 7 ملايين تونسي هم في سن الانتخاب ، أما الدائرة الثانية فهي دائرة المسجلين بشكل إرادي والذين يبلغ عددهم 136 285 5  أما الدائرة الثالثة فهي تتكون من المباشرين لعملية الاقتراع والذين لم يتجاوز عددهم  214 266 3

لقد جاء هذا الاختبار الانتخابي بعناصر لشبكة تحليلية ، يمكن أن تعتبر أساسية كلما تعلق الأمر بتقييم  الفعل الانتخابي الديمقراطي وهي :

أولا:  أن تنظيم انتخابات بشكل مستقل ومن دون تدخل الأجهزة الحكومية والتنفيذية هو رهان ممكن في المنطقة العربية. كما أن دور المنظمات المدنية محلة ودولية (بما في ذلك مركز كارتر وبعثة الاتحاد الأوروبي ) قد كان حاسما في إنجاح التجربة والتي تعود من دون شك إلى مستوى حماسة القائمين على حظوظ الهيئة العليا المستقلة للانتخابات ونزاهتهم وحيادهم.

ثانيا: بدا لكل الملاحظين أن حجم المشاركة من مختلف الأماكن والولايات قد كان   ضمن المعدلات العالمية من حيث تجاوزها لعتبة 50 بالمائة مع النصف الأول من اليوم الانتخابي لتصل إلى ما يقارب 62 قبل غلق مكاتب الاقتراع.  على أن ذلك لا يقلل من أهمية ولا من الأثر الذي يمكن أن يحدثه الجمهور العازف وغير الراغب في المشاركة ، خصوصا متى عرفنا بأن النسبة الغالبة هي من الشباب الذين ساد اعتقاد راسخ في وقت ما بأنه المحرك الأساسي لديناميات التغيير السياسي منذ ثورة 2011. بل الأهم والباعث على القلق هو أن تكون أكبر نسبة من العزوف قد سجلت في دائرة سيدي بوزيد منطلق الثورة . فهل لذلك دلالة في سياق وضعية العزوف الصاعدة؟

ثالثا: أن فهم معطيات “عدم التصويت” لا تقل أهمية عن تحليل معطيات التصويت.لقد بدت  دوافع السلوك الانتخابي حاملة لعدد من التفسيرات ومن المتغيرات التى لا شك بأن فهمها اليوم سيكون مفتاح انتصار الكثير من الاحزاب غدا. فالتصويت الشبابي ظهر قويا في أماكن دون أخرى ولكن من دون معرفة المحددات الحقيقية لهذا الغياب. لذلك يبدو فهم الآليات المحددة لهذا السلوك في حركيته وتقلب مزاجه أحيانا مسالة على غاية من الأهمية ، سواء احصل ذلك في تونس أم خارجها. مالذي يفسر عزوف أكثر من نصف الجسد الانتخابي و 40 بالمائة من المسجلين، والحال وأن نسبة العزوف في انتخابات 2011 لم تتجاوز 10 بالمائة من نسبة المسجلين؟ هل نحن هنا بصدد حالة اعراض سياسي في ديمقراطية ناشئة؟ Political apathy

رابعا: أن قراءة تلك النتائج في ضوء الأرقام و الأماكن أو الجغرافيا بقدر ما تبدو مسألة شديدة  الأهمية الا انها تضل أيضا  شديدة الحساسية والخطورة. وقد تطرح على المحللين أسئلة تتصل بالتحليل مثلما تتصل بأخلاقيات التواصل السياسي وحتى التحليل. ذلك ن نشوء “المعاقل الانتخابية” هي مسالة قد تأخذ العديد من الوقت لكي تتضح معالمها في المجتمعات العربية التى قد تشهد تجارب مماثلة. وقد بينت نتائج انتخابات 2011 مثل انتخابات 2014 بأن التصويت العقابي أو التصويت نتيجة اتساع دائرة الشعور بانعدام الأمن، لا جغرافية له لأنه يحتل كل أمكنة الأرض والبلاد. وقد يكون التسرع في تسليط أحكام ومواقف تحليلية نمطية من قبيل أن الشمال يصوت بلون وأن الجنوب يصوت بلون آخر، بمثابة الشجرة التى تخفي الغابة. فالشجرة هنا هي التوزيع غير المتساوى للاصوات جغرافيا في لحظة ما وضمن بلد كتونس متجانس اتنيا ومذهبيا ولغويا ودينيا , أما الغابة فهي الديناميات التى تجعل السلوك الانتخابي يتغير من منطقة جغرافية الى أخرى وفق معطيات مزاجية ونفسية واعلامية وتحريضية من المهم فهمها ورصدها في الوقت المناسب.  لقد لوحظ بأنه وبمجرد أن  نشرت نتائج الاستحقاق الانتخابي  ، حتى بدت تتبلور صورة نمطية لدى قطاعات واسعة من الرأي العام مفادها بأنه طبقا لمعطيات الانشطار السياسي الذي جاءت به نتائج الانتخابات ، فانه يوجد انشطار جغرافي عاكس لحالة الاستقطاب السياسي تلك على الأرض ..

محددات السلوك الانتخابي : المشاركة والعزوف والولاء

ثمة ثلاثة أنماط من السلوك الانتخابي (هيرشمان 1979) ، تتطابق مع محددات السلوك الاستهلاكي أمام أي منتوج في السوق (من زاوية اعتبار المنافسة الانتخابية منافسة ضمن سوق سياسية). النمط السلوكي الاول يقوم على الوفاء للماركة الحزبية Loyalty أما الثاني فيقوم على عدم الاعتراف بالمنتوج والإعلان عن نية عدم استهلاكه مطلقا ، وهو ما يعبر عنه بسلوك الخروج عن اللعبة أو عدم التصويت Exit  أما الحالة الثالثة فتتمثل في القبول بالمنتوج او بالسلعة او بالعرض السياسي على علاته والمطالبة بتحسينه من خلال المشاركة والإدلاء بالصوت Voice   .هذه الأنماط السلوكية تواجدت بشكل متتابع ضمن السلوك الانتخابي في تونس خلال الانتخابات التشريعية الأخيرة.  لقد بدا سلوك الولاء واضحا في بعض المناطق دون الأخرى (الساحل والجنوب والوطن القبلي ) مثلما عرفت مناطق أخرى بعزوف أكبر من غيرها ( الشمال الغربي ) بنفس القدر الذي عرفت فيه بعض المناطق بارقام قياسية من المشاركة. (ولايات الساحل ).

تتغير استراتيجيات الولاء والمشاركة والعزوف وفق محددات واضحة المعالم. لقد أثبتت الانتخابات التشريعية 2014 بأن لهذه الانتخابات محددين اثنين وهما الحرية والأمن. من هذا المنطلق بدت المحددات متصلة بدافعين اثنين وراء السلوك الانتخابي وهما : التصويت من أجلما يعتبره البعض “عودة الدولة القوية والضامنة للأمن” (نتيجة  لتزايد مركب الخوف)  والتصويت على عنوان لا يقل عنه أهمية ولا تتطلبا  أي تحقيق المزيد من الحرية والحؤول ودون ما يعتبره البعض “عودة  للدكتاتورية”.

election-chaise

وقد تختلف الأوضاع من دائرة انتخابية إلى أخرى. لقد تأكد  ومن خلال انتخابات 2011 و 2014 بأنه ثمة فعلا ما يشبه ” المعقل الانتخابي”  Anelectoral strongholdلهذا الحزب أو ذاك. من هنا يمكن ان نفهم كيف أن  حركة نداء تونس قد تمركزت  بنسبة أكبر في الوطن القبلي ( نابل 1 و 2) وفي الشمال الغربي والساحل، في حين بدت حركة النهضة ذات حضور جغرافي في دوائر الجنوب الشرقي وتونس الكبرى وجزء من الجنوب الغربي والوسط.

وبشكل ما فلقد حاولت معظم الأحزاب المراهنة على هذه الدوافع الانتخابية الثلاثة وفق هندسة متغيرة كالتالي:

1 - متغير الاستعدادات الذاتية : و الثقافة الفرعية الدينية أو الزمنية ، حيث يتميزالجنوب التونسي بعدد من الخصائص التي تقربه من أوضاع المجتمع الجنوبي الايطالي، حيث تتبادل المحافظة الدينية الأدوار مع التهميش التنموي. على أن  هذا الجنوب الذي وصم بالطابع المحافظ هو الأكثر تواصلا مع العالم من حيث مساهمته في الحجم الإجمالي للهجرة الدولية وفئات الشتات، واحتضانه للأقليتين اليهودية والاباضية ولما تبقى من المدن الامازيغية .  كما أنه  المنطقة الأكثر تجاوبا مع متطلبات الانفتاح التي تفرضها السياحة البحرية والجبلية والصحراوية. الى ذلك فان اختبارات المعرفة الأخيرة ( البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة 2014Arab Knowledge Report  وكذلك آخر تقرير للبنك الدولي حول الشباب 2014 ،تبين بأن الطلاب في المناطق الجنوبية هم الأكثر تمكنا من اللغات الأجنبية إذا تعلق الأمر بطلاب الجامعات من دون سواهم. هذا المعطى يمكن أن يفهم إذا سلمنا بفرضية تقول بأن التصويت لفائدة حركة النهضة هو ذي طابع سياسي على الرغم من اعتماده نسبياعلى قيم المحافظة الدينية.

كذلك فان ما بينته دراسات المشاركة الشبابية (المرصد الوطني للشباب 2013) هو أمر يتعلق بالمناطق التى يتسع فيها حضور الشبكات السلفية (الجهادية والعلمية) والتي لا تعكس الخارطة التقليدية للتصويت لفائدة حركة النهضة التقليدية لعام 2011،وإنما هي ضمن مربع التخوم والمناطق الحدودية التي تقع خارج التغطية السياسية بالمعنى التعبوي والتأطيري والحزبي وخصوصا في الجهة الغربية . نسوق ذلك مع العلم بأن المناطق الواقعة ضمن الهامش المشتعل اجتماعيا وأمنيا: قفصة ، سيدي بوزيد والقصرين، لم تصوت بدرجة أولى لحركة النهضة المحافظة وإنما لنداء تونس على الرغم من التعادل بينهما من حيث عدد المقاعد في الولايات  الثلاث (وفقا لنظام أكبر البقايا الانتخابي).

2-  متغير الوضعية على الأرض ودور الشبكات و ماكينات التعبئة القديمة والجديدة.في هذا الصدد يمكن القول بأن الشبكات، ذات الحضور الترابي (الهياكل القديمة لحزب التجمع الدستوري المنحل )  قد كانت عاملا حاسما ضمن هذه الانتخابات أكثر من الشبكات ذات الحضور الافتراضي (الفايسبوك مثلا) . لقد لعبت قرارات إعفاء “العمد” القدامى (مختار القرية)  دورا حاسما في تحويل هذه الفئة إلى عامل محرك أو إلى موقد لمعركة انتخابية تمت إدارتها عن قرب . لذلك أيضا بدت المناطق التي يحضر فيها الطابع الريفي بقوة ، على الرغم من حجم الطبقة الوسطى الهام، سهلة الانخراط ضمن آلية الزبونية السياسية التقليدية القائمة على مربع: العمدة و كبير “العرش” أو شيخه وممثل الماكينة الحزبية القديمة و”معاقبي” الأحزاب الحاكمة ثم المال السياسي. هذا ما قد يفسر ربما  النتائج التي حصل عليها حزب نداء تونس في مناطق داخلية مثل القصرين وسيدي بوزيد وقفصة. لقد كان الدور الذي لعبته شبكة الوجهاء التقليدية هاما للغاية، خصوصا فيما يتعلق بتوجيه الاتصال المباشر بالناخبين ( وجها لوجه ) ومن بيت إلى آخر.

3-  متغير المؤثر الخارجي ( الخوف): إن جغرافية الخوف ، هي ثاني الدلائل الهامة المفسرة لهذه النتائج . لقد تشكلت هذه الجغرافيا بطريقة تشبه “البيسكوز” ، من حيث أنها قد أفرزت حالة من التردد والتقلب في المواقف ، وهي حالة سجلها الملاحظون خلال الفترة الأولى من يوم الانتخابات وعبر عزوف الشباب ،على مستويين اثنين :

 أ‌)   مستوى الخوف من بقاء المجتمع في حالة “غير آمنة” : على نفس الطريقة التي تؤثر بها قضايا الهجرة أو الإرهاب  أو الجريمة المنظمة على مجريات أية انتخابات في دول الشمال . لقد جاء توقيت ومكان العملية الإرهابية السابقة للانتخابات متلائما أيما تلاؤم مع الأجندة السياسية للاستحقاق من حيث ترابط تصاعد خالة الخوف مع الرغبة في تأكيد التصويت العقابي. وبالاستناد إلى اتجاهات الرأي العام قبل العملية الإرهابية  ، مقارنة بتوجهات الرأي العام بعدها بقليل، يمكن أن نلاحظ تحول بين لحظتين فارقتين :  الأولى توزعت فيها الهويات السياسية للأحزاب عبر كامل الجسد الانتخابي ، مما أعطى نسبا معقولة لأحزاب الوسط الديمقراطية – الاجتماعية ( أحزاب التكتل من أجل العمل والحريات، الاتحاد من أجل تونس، الحزب الجمهوري، والمؤتمر من أجل الجمهورية والتحالف الديمقراطي…الخ) ، إلى جانب بروز الجبهة الشعبية والاتحاد الوطني الحر في مرتبة موالية للثنائي المتنافس ، أي حزبي النهضة والنداء المتقاربين إلى حدود أسبوع واحد قبل الانتخابات. أما اللحظة الثانية ، فلقد تبلورت بعد العملية الإرهابية وتأكد فاعلية التصويت المفيد من خلال انكماش خيارات التصويت ومركزتها السريعة من خلال شعارات  الوعد بالاستقرار وبعودة الدولة الذي بشرت به خطابات حزب حركة نداء تونس.

هذا من حيث التوقيت، ولحظتي ما قبل وما بعد الدعوة الى التصويت المفيد، أما من حيث السياق المكاني والجغرافي، فان الملاحظ هو أن مسرح الأحداث الإرهابية التي سبقت موعد الانتخابات التشريعية وبلا منازع (إضافة إلى المناطق الحدودية التونسية الجزائرية ) كان قد تمثل في إقليم تونس الكبرى والمتكون من ولايات  (محافظات) تونس (الدائرتين 1 و2). واريانة ومنوبة وبن عروس . فولاية منوبة حيث حصلت العملية الإرهابية السابقة للانتخابات التشريعية بأيام قليلة (معتمدية وادي الليل) كانت قد شهدت نسبة مشاركة ضعيفة إلا أنها كانت تحمل في طياتها تصويتا عقابيا وترجمة للخوف في آن واحد. وعلى الرغم من الطابع الريفي والفلاحي للولاية، إلا أن الدعم كان جليا لفائدة الحزب الأكثر تسويقا لفكرة “الأمن” أي حركة نداء تونس على حساب فكرة الديمقراطية أو القطع مع نظام الحزب الواحد. ويمكن أن ينطبق نفس الشيء على بعض الولايات الأخرى، التي شهدت على التوالي عمليات خلال الأشهر الثلاثة الأخيرة (المناطق الجبلية لولايتي جندوبة والكاف).

ب‌) مستوى الخوف من ” سيناريو عودة الترويكا” : وهو ما عبرت عنه صحيفة “الفيغارو” الفرنسية وأعادته صجف تونسية بعنوان ” لقد عادوا” في إشارة إلى المخاطر الكامنة في الاحتمال الشبه المؤكد لانتصار حزب النهضة وحلفائها . لقد بدا هذا الخوف متعاظما عشية اجتماع صفاقس الذي نظمته حركة النهضة والذي أعقبه نداء تونس بحديث تلفزي لزعيمه السيد الباجي قايد السبسي  طالب فيه التونسين بالتصويت المفيد Le vote utile ، وهي استراتيجية غيرت من الوجهة العامة للانتخابات وأثرت من دون شك في نتائجها. وفي حين اعتمدت حركة النهضة نمطا استعراضيا قريب الى حد ما من إعلانات الترشح والحملات الأمريكية، في كل من صفاقس وتونس وجربة  وبنزرت وقابس، جاءت حملات نداء تونس مشابهة ولكن بأقل زخم وأقل عدد مع التركيز على الاتصال الترابي بالناخبين وبالاستفادة بقواعد بيانات الهيئة المستقلة للانتخابات والنتائج المتتابعة للاستطلاعات ، من أجل دفع المترددين إلى الاختيار. ( الاستفادة من عامل bandwagon effect)

خلاصة :

بإتمامه للانتخابات التشريعية بنجاح ،  لم تنتصر الأحزاب ولا القائمات بقدر ما انتصرت الديمقراطية في تجربتها الوليدة. ووفق كل المعايير فان هذه التجربة وبصيغة الحزب الفائز والحزب غير الخاسر، ستكون مدعوة إلى اختبار قدرة المجتمع السياسي التونسي وقدرة النخب التي برهنت إلى حد الآن على نضج منقطع النظير في المنطقة العربية،  في مواصلة تجربة التوافق من أجل تجنيب البلاد حالة  عدم استقرار سياسي مزمنة .

على أن  النتائج وبشكلها الحالي، ستكون لها أثار أكبر من سياسية من حيث بلورتها لطبيعة الانشطار القادم داخل المجتمع التونسي. فهذا الانشطار لم يفلح المحددين له ولا اللاعبين ضمن نطاقه  في أن يتخذ شكل الاستقطاب الجغرافي ( شمال –جنوب) ولا الإيديولوجي الكلاسيكي  ( يمين – يسار) ولا اللبرالي المحافظ (حتى وان وجد هناك حزب محافظ) بدليل اختفاء أحزاب وسط اليسار المعتدل. ويؤكد ذلك على أن الموسم القادم في تونس سيكون موسما اجتماعيا بدرجة أولى ، من حيث حجم التحديات ذات الطابع الاجتماعي التى ستضل مطروحة داخل البرلمان.

أما الاستقطاب : اسلامي – علماني، فهو قوي وحاضر ولكن في تعليقات الصحف الدولية (الفرنسية خاصة)  أكثر من حضوره في الواقع اليومي للتونسيين . ذلك أن تخلي حركة النهضة عن الحكم منذ ما يقارب السنة، لفائدة حكومة تقنوقراط ثم اعترافها بنتائج الانتخابات ، كل ذلك من شانه أن يدعم الفرضية التى ترى بأن الاسلام السياسي، ان لم يذب في الديمقراطية ، بمعنى ان لم يتغير من الداخل في اتجاه يكون اكثر عقلانية ، فهو يسمح بإدارة المنافسة السياسية معه من خلال الصندوق الانتخابي لا من خلال الانقلابات ، الأمر الذي  يضع التجربة في تونس ضمن سياق مختلف عن التجربة المصرية.